البغوي
94
شرح السنة
هِيَ إِرَادَة الْخَيْر ، وَلَيْسَ يُمكن أَن يعبر عَن هَذَا الْمَعْنى بِكَلِمَة وَاحِدَة تحصرها ، وَتجمع مَعْنَاهَا غَيرهَا ، كَمَال قَالُوا فِي الْفَلاح : لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب كلمة أجمع لخير الدّنيا وَالْآخِرَة مِنْهُ ، وَلذَلِك قَالُوا : أَفْلح الرجل : إِذا فَازَ بِالْخَيرِ الدَّائِم الَّذِي لَا انْقِطَاع لَهُ ، وأصل النصح فِي اللُّغَة : الخلوص ، يقَالَ : نصحت الْعَسَل : إِذا خلصته مِن الشمع ، ويقَالَ : هُوَ مَأْخُوذ مِن : نصح الرجل ثَوْبه ، أَي : خاطه ، شبهوا فعل الناصح فِيمَا يتحراه مِن صَلَاح المنصوح لَهُ بِفعل الْخياط فِيمَا يسد مِن خلل الثَّوْب . وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام : « الدّين النَّصِيحَة » ، يُرِيد عماد أَمر الدّين إِنَّمَا هُوَ النَّصِيحَة ، وَبهَا ثباته ، كَقَوْلِه عَلَيْهِ السَّلَام : « الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ » ، أَي : صِحَّتهَا وثباتها بِالنِّيَّةِ . فَمَعْنَى نصيحة اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : الْإِيمَان بِهِ ، وَصِحَّة الِاعْتِقَاد فِي وحدانيته ، وَترك الْإِلْحَاد فِي صِفَاته ، وإخلاص النِّيَّة فِي عِبَادَته ، وبذل الطَّاعَة فِيمَا أَمر بِهِ ، وَنهى عَنْهُ ، وموالاة مِن أطاعه ، ومعاداة مِن عَصَاهُ ، وَالِاعْتِرَاف بنعمه ، وَالشُّكْر لَهُ عَلَيْهَا ، وَحَقِيقَة هَذِه الْإِضَافَة رَاجِعَة إِلَى العَبْد فِي نصيحة نَفسه لله ، وَالله غَنِي عَن نصح كل نَاصح . أما النَّصِيحَة لكتاب اللَّه ، فالإيمان بِهِ ، وَبِأَنَّهُ كَلَام اللَّه ووحيه وتنزيله ، لَا يقدر عَلَى مثله أحد مِن المخلوقين ، وَإِقَامَة حُرُوفه فِي التِّلَاوَة ، والتصديق بوعده ووعيده ، وَالِاعْتِبَار بمواعظه ، والتفكر فِي عجائبه ، وَالْعَمَل بمحكمه ، وَالتَّسْلِيم لمتشابهه . وَأما النَّصِيحَة لرَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَهِيَ التَّصْدِيق بنبوته ، وَقبُول مَا جَاءَ بِهِ ، ودعا إِلَيْهِ ، وبذل الطَّاعَة لَهُ فِيمَا أَمر وَنهى ، والانقياد لَهُ فِيمَا حكم